ظلال الروح: قصة اللوحة التي أرعبت لندن!!

تخيل أننا نترك خلفنا ضجيج العصر الحديث، ونعود بالزمن إلى ليلة لندنية باردة من عام 1782. الشوارع تضج بالعربات التي تجرها الخيول، والناس يهرعون نحو "الأكاديمية الملكية للفنون". هناك، وسط لوحات الطبيعة الهادئة والبورتريهات الأرستقراطية الرزينة، توقف الجميع فجأة.. ساد صمت مطبق، تلاه شهقات من الرعب والفضول. لقد كانت لوحة "الكابوس" لهنري فوسيلي تُعرض للمرة الأولى، ولم يكن العالم حينها مستعداً لمواجهة أحلامه المظلمة فوق إطار خشبي.


الفنان الذي طاردته الشياطين

قبل أن ننظر إلى اللوحة، دعني أخبرك عن الرجل الذي أمسك بالفرشاة. هنري فوسيلي لم يكن فناناً عادياً؛ كان قساً سويسرياً سابقاً، متمثلاً بروح ثائرة، هاجر إلى بريطانيا ليصبح واحداً من أعمدة الحركة الرومانسية. كان فوسيلي يؤمن بأن الفن ليس "محاكاة للواقع"، بل هو "نبش في اللاوعي". كان يقول: "الرؤى التي تأتينا في المنام هي الحقيقة التي نخشى مواجهتها في اليقظة".


مأساة "آنا": عندما يتحول الحب إلى مسّ شيطاني

خلف هذه اللوحة يا صديقي، لا توجد مجرد أصباغ، بل يوجد قلب محطم. في عام 1779، وقع فوسيلي في حب امرأة تدعى "آنا لاندهولت" أثناء إقامته في زيورخ. لم يكن حباً عادياً، بل كان هوساً سكن كيانه. وعندما رفض والدها تزويجها له، واضطرت آنا للزواج من رجل آخر، انكسر شيء ما في روح فوسيلي.

كتب فوسيلي في إحدى رسائله عن آنا كلاماً ينم عن رغبة محمومة في امتلاكها، حتى ولو في الأحلام. واليوم، يتفق معظم مؤرخي الفن على أن المرأة الشاحبة المستلقية في اللوحة ليست إلا "آنا"، وأن فوسيلي وضع نفسه في المشهد، ليس كعاشق، بل كـ "جاثوم" (Incubus) يقبع فوق صدرها ليمنعها من الهروب منه، أو كحصان يراقبها من خلف الستار. إنها قصيدة انتقام بصرية، صاغها رجل لم يستطع الحصول على حبيبته في الواقع، فقرر أن يسكن كوابيسها للأبد.


التشريح الفني: كيف صُنع الرعب؟

لو تأملنا اللوحة من منظور فني بحت، سنجد أن فوسيلي كان "مخرجاً سينمائياً" قبل اختراع السينما بقرون.

1. هندسة العجز والضوء المسرحي: انظر إلى وضعية المرأة. جسدها لا يستلقي براحة، بل ينساب بشكل منحنى (S-Curve) مبالغ فيه، رأسها ويدها يتدليان نحو الأرض في حالة "موت مؤقت". استخدم فوسيلي تقنية التضاد الضوئي (Chiaroscuro) ببراعة فائقة؛ حيث جعل الضوء يتركز بقوة على جسدها الأبيض الشاحب وفراشها، مما يجعلها تبدو كأنها "ضحية" فوق مذبح، بينما تبتلع الظلمة بقية الغرفة. هذا التباين يخلق شعوراً بالخانق، وكأن الهواء في الغرفة قد نفد.

2. سيكولوجية الألوان: لم يستخدم فوسيلي ألواناً مبهجة. اعتمد على الألوان الترابية الميتة، والبني المحروق، والأسود العميق. أما الستائر الحمراء في الخلفية، فهي تحمل رمزية مزدوجة؛ فهي تشبه الدماء المكتومة، وتعمل في الوقت ذاته كستارة مسرح توحي بأن ما نراه هو "عرض" لداخل العقل البشري. اللون الأبيض في ثوب المرأة ليس دليلاً على النقاء هنا، بل هو "بياض الكفن"، مما يزيد من سوداوية المشهد.

3. الرموز البصرية واللعب باللغة:

  • الجاثوم (The Incubus): ذلك الكائن القبيح الذي ينظر إلينا مباشرة. لاحظ وضعيته؛ إنه يمثل الثقل الفيزيائي الذي يشعر به المصاب بشلل النوم. تعابير وجهه ليست غاضبة، بل هي تعابير "ترقب" خبيث، مما يجعل المشاهد يشعر بأنه شريك في الجريمة بمجرد النظر.
  • الحصان (The Night-Mare): يطل برأسه بعيون جاحظة بيضاء تماماً، تفتقر إلى الننّ. وجوده هنا هو تلاعب عبقري بالكلمات؛ ففي الإنجليزية القديمة تعني كلمة (Mare) الروح التي تخنق، لكن فوسيلي جسّدها في صورتها الحرفية كـ "فرس" ليخلق صورة سريالية مرعبة تخرج من بين ثنايا الستائر.


إرث لا يموت: من ماري شيلي إلى فرويد

لم تنتهِ قصة اللوحة عند جدران المعرض. لقد أصبحت هذه اللوحة "أيقونة" ألهمت أعظم العقول:

  • في الأدب: يُقال إن ماري شيلي استلهمت مشهد مقتل "إليزابيث" في روايتها الشهيرة "فرانكنشتاين" من وضعية المرأة في هذه اللوحة.
  • في العلم: عندما بدأ سيجموند فرويد في تأسيس علم التحليل النفسي، كانت نسخة من هذه اللوحة تزين جدار مكتبه في فيينا. كان يراها التجسيد الأكمل لـ "الرغبات المكبوتة" التي تظهر في الأحلام حين ينام العقل الواعي.
  • في السينما: حتى يومنا هذا، يعيد مخرجو أفلام الرعب (مثل لورانس كاسدان وغيره) إنتاج كادرات بصرية تحاكي توزيع الإضاءة والظلال في "كابوس" فوسيلي.


الخاتمة: لماذا لا نزال ننظر إليها؟

إن سر بقاء لوحة "الكابوس" حية في ذاكرتنا ليس في قبح الجاثوم أو رعب الحصان، بل في صدقها الإنساني. نحن ننظر إليها ونرى مخاوفنا الخاصة، نرى تلك اللحظات التي نشعر فيها بالضعف أمام قوى لا نراها ولكننا نشعر بثقلها على صدورنا. لقد نجح فوسيلي في أن يرسم "الخوف" في صورته الخام، محولاً مأساته الشخصية مع آنا لاندهولت إلى وثيقة عالمية عن هشاشة الروح البشرية في عتمة الليل.


المصادر المعتمدة لهذا المقال:

  • Nicholas Powell, "Fuseli: The Nightmare" (1973): الدراسة الأعمق التي ربطت بين اللوحة وحياة فوسيلي الشخصية.
  • Tate Britain Archive: السجلات الفنية التي تحلل التقنيات البصرية والنسخ المختلفة للوحة.
  • H.W. Janson, "History of Art": المرجع الكلاسيكي الذي يحلل انتقال فوسيلي من الكلاسيكية إلى الرومانسية.
  • The Royal Academy of Arts (London): سجلات المعارض التاريخية وردود فعل النقاد في القرن الثامن عشر.